البغدادي
329
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
قال أبو علي : فأوقع الجملة المركبة من المبتدأ والخبر موقع الفعل المنصوب بأن ، والفعل إذا انتصب انصرف القول به ، والرأي فيه إلى مذهب المصدر . ومعلوم أنّ المصدر أحد الآحاد ، ولا نسبة بينه وبين الجملة ، وقد ترى الجملة التي هي قوله : « وأنا ربّكم » معطوفة على أنّ المفتوحة ، وعبرتها عبرة المفرد من حيث كانت مصدرا ، والمصدر أحد الأسماء المفردة . ووجدت أنا في التنزيل موضعا ، لم أر أبا عليّ ذكره على سعة بحثه ، ولطف مأخذه ، وهو قوله تعالى « 1 » : « أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى » ، أي : فيرى . ألا ترى أنّ الفاء جواب الاستفهام ، وهي تصرف الفعل بعدها إلى الانتصاب بأن مضمرة ، وأن الفعل المنصوب بها مصدر في المعنى لا محالة ، حتى كأنه قال : أعنده علم الغيب فرؤيته ، كما أن قوله : « فأنتم فيه سواء » ، أي : هل هناك شركة بينكم فاستواء . فهذا وجه السماع . وأما وجه القياس فهو أنّ [ أنّ « 2 » ] المفتوحة وإن لم تكن من مواضع الابتداء فإنّها من مواضع التحقيق والاعتلاء ، كما أنّ « إنّ » المكسورة كذلك ، فلما استوتا في العمل والمعنى ، وتقاربتا في اللفظ ، صارت كلّ واحدة كأنها أختها . يزيد ذلك وضوحا « 3 » أنك تقول : علمت أنّ زيدا قائم ، وعلمت إنّ زيدا لقائم ، فتجد معنى المكسورة كمعنى المفتوحة ، ويؤكد في الموضعين كليهما قيام زيد لا محالة ، والقيام مصدر كما ترى . نعم وتأتي هنا بصريح الابتداء ، فتقول : علمت لزيد أفضل منك ، كما تقول : علمت أنّ زيدا أفضل منك . أفلا ترى إلى تجاري هذه التراكيب إلى معنى واحد ، وتناظر بعضها إلى بعض « 4 » . وسبب ذلك كله ما ذكرته لك من مشابهة « أنّ » لإنّ لفظا وعملا . فإذا كان كذلك سقط اعتراض هذا المتأخر على ما أورده سيبويه ، وأسقط كلفته عنه .
--> ( 1 ) سورة النجم : 53 / 35 . ( 2 ) زيادة يقتضيها السياق من النسخة الشنقيطية وإعراب الحماسة الورقة 15 . ( 3 ) كلمة : " ذلك " ساقطة من النسخة الشنقيطية . ( 4 ) في إعراب الحماسة : " وتناظرها بعضها لبعض " .